ابن أبي الحديد

216

شرح نهج البلاغة

احفر تكتم ( 1 ) بين الفرث والدم ، في مبحث الغراب ، في قرية النمل ، مستقبلة الأنصاب الحمر . فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات ، فنحر بقرة في الحزورة ، فأفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم ، فاحتمل لحمها من مكانها ، وأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث فبحث عن قرية النمل ، فقام عبد المطلب يحفرها ، فجاءته قريش فقالت له : ما هذا الصنع ، إنا لم نكن نراك بالجهل ، لم تحفر في مسجدنا ؟ فقال عبد المطلب : انى لحافر هذا البئر ، ومجاهد من صدني عنها ، فطفق يحفر هو وابنه الحارث ، وليس له يومئذ ولد غيره ، فيسفه عليهما الناس من قريش فينازعونهما ويقاتلونهما . وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من زعيق نسبه وصدقه ، واجتهاده في دينهم يومئذ ، حتى إذا أتعبه الحفر ، واشتد عليه الأذى نذر إن وفى له عشرة من الولدان ينحر أحدهم ، ثم حفر فأدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت ، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالت : يا عبد المطلب ، أحذنا ( 2 ) مما وجدت . فقال عبد المطلب : بل هذه السيوف لبيت الله ، ثم حفر حتى أنبط الماء ، فحفرها في القرار ، ثم بحرها حتى لا تنزف ، ثم بنى عليها حوضا وطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض ، فيشرب منه الحاج ، ويكسره قوم حسدة له من قريش بالليل ، فيصلحه عبد المطلب حين يصبح ، فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه ، فأري ، فقيل له : قل : اللهم إني لا أحلها لمغتسل ، وهي لشارب حل وبل ، ثم كفيتهم ، فقام عبد المطلب حين اختلف قريش في المسجد ، فنادى بالذي أري ، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء ، حتى تركوا حوضه ذلك وسقايته ، ثم تزوج عبد المطلب النساء ، فولد له عشرة رهط ، فقال : اللهم إني

--> ( 1 ) تكتم ، بضم فسكون : اسم بئر زمزم . ( 2 ) أحذنا : أعطنا .